Sunday, 10 February 2013

الطريق الى الجنة / مذكراتي في مسيرة الاربعين 2012 - 2013


اللهم صل على محمد وال محمد
الطريق الى الجنة
مذكراتي في مسيرة الاربعين ج1
لم اتشرف بزيارة الاربعين من قبل , ولم تكن لدي خبرة في المشي مسافات طويلة , لذلك كان توجُهنا ( انا وولدي محمدرضا وابنتي مريم ) الى الحسين ع مشيا على الاقدام من النجف الى كربلاء , مخيفا ومصدرا للقلق نوعا ما بالنسبة لي , الا اني كلما نظرت الى اولادي ورأيت الابتسامة على وجوههم يعود اليّ الاطمئنان ...
استيقظنا مبكرا ولم يكن لدينا متسع من الوقت للفطور, حاولنا الصعود بالسيارات للالتحاق بموكب المغتربين الذي كان يضم زائرين من مختلف الجنسيات من اوربا وامريكا .
تجَمَّعنا عند العمود 96 وكان الطريق مقسما الى اعمدة وبين كل عمود واخر 50 مترا . وزعوا علينا ارقام اماكن الراحة والمبيت وقالوا لنا سيروا على بركة الله ... اخذتني رجفة واحسست كاني ذاهبة لاقابل الحسين ع شخصيا , بدأت واولادي بالتكبيرات ثم قرانا سورة الفاتحة وسور اخرى بالاضافة الى الاستغفار والصلوات , ولم اتوقف عن الارتجاف فاراد ولدي محمد ان يلطف الاجواء قائلا : هااا هل جبنتي وتودين العودة ؟ فلم اتمالك نفسي وانهمرت دموعي لااراديا عندما قلت له ( ذاهبون للحسين ياولدي)...
لم يكذب الرواة عندما قالوا ان لاهل البيت هيبة وعظَمَة تجعل الناس تهابهم وتنحني بين يديهم احتراما وحبا , كان هذا شعوري وقتها, رعدة غريبة انتابتني وكاني احس بوجود سيدي الحسين ع حاضرا معنا...
امتزجت الدموع بكلمات دعاء كنت اقرؤها واُسْمِعها اولادي وسرنا بخشوع واهديت ثواب المئتي خطوة الاولى الى امواتنا واموات المؤمنين جميعا والمئة الثالثة الى كل من اعرفه وصادقته وتحدثت معه مباشرة وغير مباشرة بنية قضاء حوائجهم واسال الله ان يتقبلها ...


 الطريق الى الجنة 
مذكراتي في مسيرة الاربعين ج 2
لا اعلم كيف افترقنا (انا واولادي) عن مجموعتنا ,الا اننا لم نشعر بالغربة وواصلنا طريقنا مع زحف الجموع .
كان ولدي محمد يحمل الكاميرا ويلتقط الصور وهو مبتهج لما يراه من ولاء منقطع النظير من اصحاب المواكب للحسين ع وزواره , حيث فكروا في كل مايحتاجه الزائر وجعلوه في متناول اليد وبالمجان , لا بل يتوسلون اليك ان تشرفهم بالاكل من مواكبهم وقد هيأوا موائد مفتوحة وفيها مالذ وطاب على طول الطريق من الوجبات الغذائية كالرز والقيمة والدجاج والسمك والشاورمة والفلافل والشاي والقهوة والحمص المسلوق في هذا الشتاء البارد بالاضافة الى "حبيبي الشلغم " ...
لم يكن الاكل وحده متوفرا انما وفروا خطوط للمكالمات الهاتفية داخل العراق وخارجه وبالمجان .
كنا منبهرين بهذا الكرم والجود وأنستنا هذه الصورة تعب المشي لدرجة اننا وصلنا عمود 380 دون تعب , فافترقنا للمبيت في اماكن مفصولة وذهب محمد لخيمة الرجال وبقينا في خيمة النساء صلينا فيها المغرب والعشاء , تناولت مريم طعامها ثم توسدنا ماكان متوفرا من بطانيات ومخدات .
استيقظنا في صباح اليوم التالي لاداء صلاة الصبح والبدء بالسير مبكرا ,في هذه الاثناء بدأنا نحس بالام في القدمين واحمرار في طريقه للتحول الى فقاعات مائية فقررنا استبدال الاحذية الخاصة بالمشي (بالنعال البلاستيكي الخفيف ) وكان علينا في اليوم الثاني ان نصل عمود 900 فاسرعنا بالمشي ولم نتوقف الا للصلاة والغداء وفقدت انا الشهية للطعام وفي منتصف الطريق بدا عليَّ التعب فكنا نضطر للاستراحة 15دقيقة لكل ساعة مشي .
في هذه الاثناء حدث ماكنت اخاف حدوثه , فقد امتلات قدما محمد فقاعات مائية وكانت مؤلمة جدا له بسبب وضعه الصحي , اتصلت بصديق طبيب لاستشارته فلامني في البداية على قدوم محمد معي للمسيرة الا انه ارشدني الى مركز صحي قريب ذهبنا له وكانت الخدمة غاية في الاخلاص والرقي بحيث لم تبق ومضة قلق في ذهني .
واصلنا المسير للمكان المخصص للمبيت ببطئ بسبب تعب القدمين مع ان النفس تتمنى لو انها تطير لكربلاء وازداد الالم على ولدي لدرجة اني لاول مرة اسمعه يقول اه .
تركته في خيمته وعدت الى خيمتي ابكي فرآني احدهم وقال { زائر الحسين لايبكي يا اختي وثقي بالله سيكون ولدك بخير في الصباح} فقلت ان شاء الله .

...
الطريق الى الجنة
مذكراتي في مسيرة الاربعين ج 3
{ زائر الحسين لايبكي } كلمات بسيطة قيلت لي وكان وقعها عظيما على نفسي , فقد نبهتني الى ماغفلت عنه وهو اني متوجهة في الاساس الى من الشفاء في تربته فكيف اخاف ان يتضرر ولدي محمد من المشي اليه !!!
قضيت النصف الاول من الليل متنقلة بين المجالس النسوية داخل الخيمة حضرت مجلسين للعراقيات ومراسم تشبه النشيد للاتراك مع اني لاافهم اللغة الا انها كانت حزينة وتبعث على الخشوع وكان هناك هتافات باسم القائد والدولة الاسلامية لمجموعة من الايرانيات في الزاوية الاخرى من الخيمة .
جلست في نهاية المطاف ,الساعة الثانية صباحا تقريبا , مع نسوة من الباكستان كن يقران الادعية بالاردو - لغتهم الاصلية - وقرات القران من جهاز صغير كان عندي ثم توسدت حقيبتي كمخدة واستيقظت بعد ساعتين على صوت المنبه لصلاة الصبح .
انهيت صلاتي بسرعة وذهبت لاطمئن على ولدي في خيمة الرجال , كان الجو باردا قليلا ( انجماد حسب وصف العراقيين ) وكان بين الخيمتين عددا من الكراسي والطاولات لتناول الطعام , اجتزتها مغطيةً نصف وجهي بعبائتي , مرَّ بي رجل فطلبت منه ان ينادي ابني من الخيمة , ذهب الرجل ثم رجع قائلا لايوجد احد باسم محمد , التفتت الى اخر وكان يبدو عليه انه صاحب الموكب فاعطيته الاسم الكامل لولدي , سمعته ينادي باسمه ورايته ينظر لوجوه النائمين وعاد قائلا لايوجد شخص باسم محمد , خفت , وبدون ان اشعر ضربت على قلبي بقبضة يدي وقلت { يمة ابني راح } وكنت اظن ان حالته ساءت فنقلوه للمستشفى .
تناولت كرسيا لاجلس فلم اقوَ على الوقوف واذا بي اسمع صوتا يقول لي { ماكو كَعدة ... ورانه مشي } .هو بعينه ولدي محمد والابتسامة المشرقة على وجهه الصبوح ومعه اثنين من الشباب وهما الدليلان لموكب المغتربين وقد افترقنا عنهم عند بداية المسيرة الا ان الصدفة جمعتنا من جديد بسيد محمد وعلي .
كان همّي ان اعرف ماحصل لمحمد فعلمت انه تلقى رعاية خاصة داخل الخيمة من اصحاب الموكب ومن الزوار , من مساج لكامل بدنه وتعقيم لجروحه وشدها برباط خاص كان قد جلبه احد الزوار الايرانيين من ايران لنفسه الا انه اهداه لمحمد وشد رجله بطريقة لم يعد يشعر بعدها بالم ... حمدت الله كثيرا وسلمت على سيدي الحسين ع .
توجهنا نحو كربلاء بصحبة الدليل سيد محمد وكان غاية في الاخلاق والادب وقد اصطحبنا الى مركز صحي قريب اعطوا محمد حبتين من المسكن تناول منها واحدة فقط ولم يشعر بعدها بالم حتى هذه اللحظة واحتفظ بالحبة الاخرى لوقت الحاجة . سرنا بين المواكب وكان سيد محمد يتوقف عند كل موكب يوزع الشلغم ليجلب لي صحنين او ثلاث لانني لم اتناول طعاما منذ يومين .
من حسن الصُّدف علمتُ ان النسوة الباكستانيات اللواتي كن في الخيمة يسكنون لندن فتعارفنا واتفقنا ان نلتقي عند العمود 1356 .
سرنا ببطئ وكنا نتوقف للاستراحة كلما تعبنا اواحسسنا بالم ,وكانت جموع الزائرين تزحف نحو كربلاء كموج البحر ورغم الزحام الشديد الا انك لاتجد هناك تدافع او نزاع او جدال وهي من الامور التي تحدث عادة بين الجموع الغفيرة , ولا تجد هناك من ينظر في وجوه النساء او يعاكسهن او يضايقهن كما يحدث في اقدس الاماكن عند المسلمين , والحال هنا يشعرك انك في عالم اخر غير عالمنا وكأنه يوم القيامة ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه )

...
الطريق الى الجنة
مذكراتي في مسيرة الاربعين ج 4
هلا بزوار الحسين , هلا باحباب الزهراء : عبارات ترددت على مسامعنا على طول الطريق المؤدي لكربلاء تبعث فينا القوة لمواصلة السير , كانت مريم تبتسم كلما سمعت هذه الكلمات (وتقول :مامه يكَول هله بزوار الحسين ) , فهي لم ترَ مثل هذا الترحيب في مسيرة الاربعين بلندن بل ربما نواجَه بعلامات التعجب والاستفهام من قِبل الاجانب فنضطر لان نوضح لهم لماذا نسير ومن هو الحسين ع .
كنا نلتقي بين الحين والاخر باخوتنا البريطانيين من اصل باكستاني مع دليلهم علي , وبقينا نحن بصحبة سيد محمد الذي كان ياتينا بالطعام الطيب والشاي والشلغم باستمرار.
وصلنا مكان المبيت قرب العمود 1356 عند غروب الشمس , ولم نجد اي اثر لمخيم او مكان مخصص للمبيت الا دار احد سكنة المنطقة وكان ينتظر ان يصله زوار غيرنا للمبيت عنده . رحب بنا على ان نجلس لدقائق نتوضأ ونصلي . انتظرنا مكالمة هاتفية من المسؤول في العتبة الذي وعد برعاية موكب المغتربين ...
طال الانتظار فاقترحتُ على سيد محمد وعلي ومجموعته ان نذهب للمبيت في دار اهلي الواقعة قرب العمود اللاحق 1357 وما علينا سوى المشي عمودا اضافيا فوافق الجميع
اتصلتُ باختي ملام وسألتها ان كان عندهم استعداد لاستقبال 15 زائرا ( فبيتهم يعج بالزوار مسبقا ) فرحبت بنا بالعبارة الجنوبية المعروفة - عين فراش وعين غطى لزوار الحسين - فقلت لها مازحة : لا, نحن نريد بطانيات ومكان للمبيت واحتفظوا بعيونكم .
بعد دقائق قليلة جاءنا اخي حيدر في اربع سيارات خصوصية نقلتنا للبيت , وكانت هذه المرة الاولى التي ارى فيها والدتي منذ سنتين تقريبا وقد شاخت ونحلتْ ولم تعد تقوَى على المشي .
قضينا ليلة مريحة جدا واغتسل الضيوف ثم افطرنا مبكرا في اليوم التالي وهو يوم الاربعين 03/01/13 وتوجهنا مشيا الى داخل المدينة حيث الضريح المبارك .
كنا نمر في هذه الاثناء بنقاط تفتيش تؤخر مسيرنا لكن الامور مشت بانسيابية وكانت اخلاق الجنود عالية وتعاملهم مع الزوار باحترام وتوقير وصبر وكانوا يوجهوننا الى حيث نريد دون ملل او تضجّر , فتحية لهم مباركة .
وغداً سيكون اللقاء بالحبيب ..
 

...

No comments:

Post a Comment